Piczo

Log in!
Stay Signed In
Do you want to access your site more quickly on this computer? Check this box, and your username and password will be remembered for two weeks. Click logout to turn this off.

Stay Safe
Do not check this box if you are using a public computer. You don't want anyone seeing your personal info or messing with your site.
Ok, I got it
Back To Home Page
My Pages
Home Page
My Romance Life
My Album
My Popular Book
My favourite Book
My Literary Works
Love poems
Samples of My Writings
My Words
Guestbook
My new book
My Arabic Poem
Romance Stories
My Sweetheart
My Scientist Book
Lovers Of Lamentation
The whispering Of Tender Feelings
My Children Book
Love book
The Global Figures
My designs
The Greatest Love
My News
My Jasmine Poems
Love Words
I adore you
Profile Page
My adored Love
Free bird Page
My photos
Love forever
My Entertainment
      Lovers Of Lamentation
          عشاق الحزن الجميل  
على عبد الفتاح

                      عشاق الحزن الجميل

                          إهداء  

                            إليهــا ..
  سيدة النور ..
والياسمين ..    
أهدى بعض أحزانى
  على

مدخل

1

هو الحزن الجميل .. وعشاقه ..
ذلك هو الآتي الراحل المتميز بتوحش الشجرة وصمودها أسفل المطر الكثيف .هو الحزن الجميل
ذلك الحار ... والبارد .. والحامض .. والحلو .. ذلك الرداء الذي نرتدي دون أن ... لنكون .هو الألم الراعش .. الخارج والداخل .. الجالس والقائم في القلب والعين .. وبين الجلد وشهقته والنبضة وصعودها .
2
هذه الكلمات تبوح بتحول الدمعة من آهة إلى شعلة ، إنها تتكلم عن البركان حين يصب ذاته ليتشكل في         قطرة حمراء .
هذه الكلمات رغم خارجها الشفاف مخملية في حريقها.
فقط حيث نعرى جراحنا أمام مسكها وياسمين بوحها وزعفران الآهة في تجليها .. سنتطهر .


    د. عالية شعيب
أستاذة مادة الفلسفة والأخلاق
  جامعة الكويت / كلية الآداب

مقدمة

عشاق الحزن الجميل ....؟
هل الحزن بطولة ؟ هل الدمع تفرد ؟ هل الهزيمة انبعاث ؟
ليس هناك من يشعر بذلك إلا عشاق الحزن .. فاليأس لديهم صهوة للانطلاق .. والإصرار والرفض .. والدمع نهر من الفجيعة يتدفق في صحراء العاشق الوحيد اليتيم.
وكم سالت الدموع أنهاراً .. وارتجفت الروح     اضطراباً ، تتمزق فوق عالم ما زالت أهدابه لا تخفق لعطر وردة ..
فكيف تهاوى العشاق في حصار زمن منكسر ؟ كيف يلملم العاشق جراحه ، وينهض يغني للهزيمة والضياع ؟ ولا يعرف سوى نبع الحزن إلهاماً في رحلة الحياة :
لا يعرف الحزن إلا كل من عشقا
وليس من قـال إني عـاشق   صدقـا
للعـاشقـين نحـول يعرفون به
من طول ما حالفـوا الأحزان والأرقـا
عشاق الحزن الجميل .. كشفوا عالم ما وراء الدمعة والاحتراق والعذاب .. وقد تكون الدمعة هي اللؤلؤة الثمينة الباقية في جوف محارة الروح ، والدمعة هي الصحوة والفرادة في وحشة الحياة ، النفس ترق     وتثور ، والمشاعر تتهادى .. تتناثر وتفيض في الأعماق شلالا ، وتضرب الأمواج وتغضب بحور ..
تلك هي انبعاثة جيشان الشعور ، حين يفقد العاشق قدرته على محاصرة هذا الفيض وتلك المنابع ، وربما في البكاء تسكن العواصف وتنمو الأشجار ، ويتداعى الليل الكئيب .
فإلى أين يتجه عشاق الحزن الجميل ؟
وهنا تنطفئ التساؤلات والصرخات الصامتة تذوب في ضجة الحياة وعبث الريح وسخرية الأقدار ، ويرى العاشق إنه حقاً غريب ، فإلى أين يذهب ويلوذ ويرحل ؟
ويمضي العاشق ، يرسم على هذا الفضاء الشاسع أشعاره ، ويصادق الشجر العاري ، وينقش على عشب الأرض وأغصان السنابل ، وعلى الجدران قصة حب دامية .
ويستيقظ كل الشعراء والأدباء والمبدعين المغتالين المقتولين ، وينسابون أطيافاً في قوافل الحزن الجميل .
ويظل العاشق وحيداً .. في متاهات هذا الكون يركض على حافة جراح الليل ،   يترقب نور الصباح ، يحنو على وردة تقاوم ، ويرى في الآفاق نجمة عالية بازغة     تتوهج .. تشتعل .. تضئ الروح .
ولكنه يرحل على قطرات من دم الفجيعة ..
ويمشي متمهلاً والأشواك حراب حوله حتى يهوى في ظل شجيرة ، ويغرق في   موجة تفر من أعماقها وزرقتها وضفافها .
ويبكي زمان البراءة ، يبكي زمان الحب الجميل .. في عصر الهزيمة واليأس والسقوط ، حتى يفلت من هشاشة هذا الزمن ، ويسجل لذاته السبق والابتكار .
وقد يتناثر كل شئ في هذا الكون ، وتطويك عاصفة   من الحزن ، وتسقط في مدائن الجزع والفزع واللهفة والحنين .
فإلى أين تمضي أيها العاشق المضئ في هذا العالم الموبوء ؟؟
عشاق الحزن الجميل وحدهم قادرون على بلورة صور المأساة وإضفاء لمسات من التعاطف والحنان عليها .
عشاق الحزن الجميل وحدهم قادرون على النهضة واليقظة والحلم رغم اغتصاب براءته في وضح النهار .
تنهض الحروف من مقابر الصمت لتعلن ثورة الروح واعتراض الفكر .
والبؤساء وحدهم يواجهون ممالك الشر والهزيمة والرذيلة والفناء بجرأة وجسارة ومخاطرة ... فلا شئ يخشونه .. ولا شئ يخافون عليه .
عشاق الزمن الجميل نفوس احترقت وقلوب تحطمت ومدائن سقطت فلا عاشق إلا وانداس في صدره خنجر من القهر والخيانة والغدر .. فكيف لا يصرخ ، ويعرى الوجوه الزائفة ؟؟
كيف لا يطلق رصاصته الأخيرة في هذا القبح الهائل الذي يفتك بالجمال والمثل والخير والسلام والوداعة ؟؟  
وكيف لهذا العاشق المسكون بالدمع والنزيف لا يرفع سيفه في وجه طغاة العصر ؟
ومع عشاق الحزن الجميل أصبح الموت خصوبة واخضراراً وثماراً ، وأصبح التحدي طموحاً ، والمواجهة رغبة ، والكتابة مغامرة نحو ضفاف نقية بيضاء ، والصراع من أجل قيم أفضل هدفاً نبيلاً .
وإذا كانت الكتابة رسالة وتنويراً وتغييراً ، وإذا كان المبدع قديساً ، يحمل مصابيح الجمال والحق والخير والمقاومة .. فإن عشاق الحزن الجميل كتب عليهم هذا التحدي والفناء من أجله .
فلم يتراجع العشاق ؟
ولم يستسلم الحرف الجرئ المغامر ،
ولم تنكسر أغصان الروح الأبية ؟
وإنما تكسرت نغمات القلب وتناثر اللحن ..
والبؤساء وحدهم قادرون على إعادة خلق الحياة من       نبع الألم .
والحزانى وحدهم أكثر دهشة وغرابة .

والسباحة في نهر الخرائب نوع من المقاومة والعذاب العذب .
وعشاق الحزن الجميل ، تعلموا كيف يصارعون التيار ويزرعون أجمل المعاني في القلب
من دمعهم
من دمهم
من آلامهم .

على عبد الفتاح

- 1 -
أبو العلاء المعري
( 974-1057 )
  عاش وحيداً .. منكسر الروح ...   وفي أعماقـه دمعـة ... ورحل وحيداً .. وفي أعماقه حسرة .. وأوصى أن يكتب على قبره :
    هذا ما جناه أبي علي     وما جنيت على أحد
واجتمع على قبره ثمانون شاعراً ، وختموا – في أسبوع واحد – مائتي ختمة ، وقرئ على قبره سبعون مرثية ، وقال قبيل وفاته :
الآن علت السن ، وضعف الجسم ، وتقارب الخطو ، وساء الخلق ،   وعطلت رحى كانت لي ، لم تكن تجعجع ، ولكن تهمس ، كنت أقصر طحنها على نفسي وأتقوى به دون غيري ؟!
أبو العلاء المعري فيلسوف عصره ، وشاعر     زمانه ، الأعمى الذي أبصر مالا يراه المبصرون ، وتعامى عن الموبقات والفساد الذي انقاد إليه سائر الناس ويقول عن محنته :
وقد علم الله سمعي ثقيل ،   وبصري عن الإبصار كليل   قضى علي وأنا أبن أربع ...
فكيف لهذا الأعمى المثقف ، والشاعر الرقيق ، والفيلسوف حكيم " معرة النعمان " يقاوم محنته المرتبطة بالبصر ؟ ومحنة عصره التي انغمس فيها الناس في الشهوات والإقبال على المحرمات والتهتك ومعاقرة الخمر .
وتصل المحنة إلى مأساه بشعة حين ينصرف رجال الدين عن دورهم الحقيقي ويهتمون بالمراكز وجمع       المال ، ويتميزون بالجشع والخيانة والأنانية .
فكان لابد لهذا اللغوي .. الشاعر .. الفقيه .. أن يعتزل هذا العالم الفاسد ويقاوم معاناته الذاتية وما يسود عصره من سقوط ، فأقبل على العلوم والمعارف ، يشق طريقه بروح قد رققها القرآن الكريم الذي حفظه منذ طفولته .. ورحل بين المدن يلتقى بالعلماء والأدباء ، ويقرأ كتب التراث ، ويطلع على آداب الشعوب وحضارات الأمم ، فكانت رحلاته وأسفاره بين طرابلس بالشام وبغداد والمدن الأخرى .. هروباً من الفتن والقلاقل التي سادت عصره .. وسقوط القيم الروحية واتجاه الأنظمة الحاكمة إلى دعم ذاتها ومحاربة   أعدائها ، دفاعاً عن القصور والعروش والأمجاد الزائفة والثروات والأموال .
فلم تكن هناك سوى الخيانات والمؤامرات   وسفك الدماء من أجل إعلاء سلطة الحاكم وسيطرته على البلاد .
فكيف ينجو الفيلسوف الشاعر من هذا الواقع المأزوم؟ وروحه منكسرة ، وفي قلبه دمعة جامدة .
وعندما عاد من رحلاته قرر أن يتخذ موقفاً من العالم حوله ، وعبر عن هذا الموقق بالعزلة في بيته ، واتخذه سجناً وسمى نفسه " رهن المحبسين " ، وذلك للزومة بيته وكف بصره .
وقد أضاف سجناً آخر ،   وهو روحه السجينة في الجسد ويقول :
أراني في     الثلاثة من سجوني  
لفقـدي نــاظري ولــزوم بيــتي
  فلا تسأل عن الخبر البنيث  
  وكون النفس في الجسد الخبيث
واضطربت حياة المعرى ، وأصبحت ذاته وحياته صور أخرى لما يحدث في البلاد ، فقد واجه الناس بالعزلة فحقدوا عليه ، وأعلن عن فلسفة قوامها الزهد ،   وتحريم بعض ما حلله الله مثل أكل الحيوان ، وعاش على العدس والزيت والتين ، وبذلك سخر منه كل من يعرفه ، وتهكموا على أحواله وظروفه وهاجموه وابتعدوا عنه .
ثم اتخذ من الثياب أخشنه وأقساه ، ومن الفراش أغلظه وأجفاه ، وعاش حوالي تسعاً وأربعين سنة في بيته بمعرة النعمان ، لا يغادره إطلاقاً .
وغلب على شعره التشاؤم والنفور من النساء ، والابتعاد عن الآخرين ، كأنه يراهم الجحيم الحقيقي له .
لم ينسق لظواهر الحياة أو الإغراءات المادية والمتع التي يسعى إليها المرء ، حاول أن يتجاوز ذاته وزمانه ، ويعلو بنفسه إلى مستوى روحي يصل إلى حد التعبد والإيمان المطلق بأته أرقى من هؤلاء جميعاً .
ورغم ذلك لم يسلم من إدعاءات هؤلاء الذين يهاجمونه   فقد رموه بالكفر ونسبوا إليه أشعاراً لم يتفوه بها ابداً ، وظلت نفسه تتوق إلى معانقة الحقيقة المطلقة ، والإنطلاق في رحاب فضاء روحاني لا يصل إليه زمانه .
ومن أجمل قصائده التي تعبر عن موقفه هذا يقول :
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل  
أعندي وقد ما رست كل خفية    
  أقل صدودي أنني لك مبغض    
  إذا هبت النكباء بيني وبينهم    
      تعد ذنوبي     عند قوم   كثيرة    
وقد صار ذكري في البلاد فمن لهم
    يهم الليال بعض ما أنا مضمر
        وإني وإن كنت الأخير زمانه
عفاف وإقدام وحزم ونائلُ    
        يصدق واش أو يخيب سائلُ         وأيسر هجرى أنني عنك راحلُ         فأهون شئ ما تقول     العواذلُ  
  ولا ذنب لي إلا العلا والفضائلُ  
      بإخفاء شمس ضوءها متكاملُ      
  ويثقل رضوى دون ما أنا حاملُ    
لآت بما لم تستطعه     الأوائلُ
/ويظل أبو العلاء صورة لجسارة الذات والمحنة التي تلهم الإنسان القوة والشجاعة والالتزام بمبادئه وقيمه التي أعتنقها .


- 2 -
أبو القاسم الشابي
( 1906-1934 )

  أبو القاسم الشابي نغمة على وجه الريـح ... تعزفهـا أوتـار الألم ... نغمـة
تكسرت أوتارها في صراعها مع المرض وعذاب الذات .
رحل الشابي عن العالم وكان له من العمر ثمانية وعشرون عاماً ..
انكسر الغصن .. وما زالت أوراقه خضراء ..
تنبع مأساة هذا الشاعر من صراعه الرهيب مع المرض .. ونضاله ضد قوى المستعمر الفرنسي الذي أحتل بلاده .. وصادر صوت الحرية .. وأعلن الحصار والإرهاب حول تونس .
ويقاوم الشاعر وينهض بسيف الكلمة لسحق الغزاة الذين احتلوا بلاده .. وانتشروا الخراب في كل أجزاء الأرض .
فكيف كان الشابي يقاوم الغزاة في أرضه والمرض يغزو قلبله .. ويزحف للسيطرة على روحه ؟
تأثر الشابي بالآداب العربية والغربية ولاسيما شعراء الحرية في العالم .. وكذلك كتابات شعراء النهضة والمهجر ودورهم الإنساني الذي لمس آفاق الروح .
ثورة غاضبة تهدر في كيان الشابي ضد الظلم والعبودية والخضوع .. والاستسلام للغدر والهوان .

فأطلق صرخته القوية يستنهض الأحرار والأبطال ضد الذل واليأس .. وحرية الشعوب ويقول :

إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
  ولا بد لليل أن ينجلي
  ولابد للقيد أن ينكسر
  ومن لم يعانقه شوق الحياة
  تبخر في جوها واندثر
  كذلك قالت لي الكائنات
  وحدثني روحها المستتر
  ودمدمت الريح بين الفجاج
  وفوق الجبال وتحت الشجر
  إذا مـا طمـحت إلـى غـــــاية
لبسـت المنى وخلعت الحـذر
وأصبح أمام الشابي أن يحارب الأعداء
في الوطن والداء داخل ذاته ، ولعل تمازج الإحساس بالقهر والظلم مع معاناة آلام المرض قد فجرت لحن الثورة والتفاؤل .. والآمال الكبيرة والطموحات .
ورغم هذه المرارة .. تمكن الشابي أن يخلق روح حماسية محلقة تناضل وتبعث الهمم الأبية والعزائم الفتية في الشباب ..
ولم يتوقف نضاله عند هذا الحد ... لقد شارك في أعمال المقاومة ، وحمل السلاح ، فامتلك بطولة العمل الثوري بالسلاح والكلمة .
ويعبر عن انتصاره على مرضه وتحديه للعدو الأجنبي في رائعته الشهيرة ويقول :
سأعيش رغم الداء والأعداء     أرنو إلى الشمس المضيئة هازئاً كالنسر فوق القمة الشماء           بــالسحـب والأمطـــــار والأنــواء
حاول الشابي أن يوقف نهر النزيف في قلبه .. ويطلق صيحات الحرية إلى كل الأحرار المناضلين وللشعوب التي تكافح من أجل الغد المشرق ، تغلب على جراحه .. ونهض من بحر الألم .. ليكتب   ويشارك .. ويدعو إلى النهار الجديد .. ويعانق الحياة بعشق جامح .. ويحتوي شعبه برباط وثيق من الوطنية .. ويدافع عن الشعوب المستعبدة بإيمان عميق بالقومية والدين الإسلامي .
لا ضربات السياط تحد من تمرده .. أو طلقات الرصاص تخيفه وترده إلى منابع الألم والسكون .. إنه مندفع بلحن الثورة الجبار .. وموسيقى الروح المتمردة .. المغامرة .. نحو أفق النصر ، ويقول الشابي رغم     ما به من آلام المرض :
أصغى لموسيقى الحياة ووحيها     لا يطفئ اللهب المؤجج في دمي     النور في قلبي وبين جوانحي           إنـي أنــا النــاي الذي لا تنتــهي وأذيب روح الكون في إنشائي       موج الأسى وعواصف الإزراء       فعلام أخشى السير في الظلماء؟     أنغـــامـه مــادام فــي الأحيـــــاء
الشابي عاشق أحس بدنو الموت فكتب عن روعة الحياة .. وطارده اليأس وعشش في وجدانه فاتجه إلى التحليق بأجنحة الأماني .. ترفرف على البسطاء .. والأطفال ، والحقول .. والمزارع الخضراء .. والقرى والمدائن المشتعلة بالثورة والحرية .
هل فتك المرض بالشابي ؟ أم أن اليأس قد حصد عنقه وأطاح به فأصبح مزقه تحت نصل سكين الموت ؟
إن الشابي لم يكن شاعر الحياة فقط ، وإنما الروح الجسورة التي هزمت الموت .. ورحلت فوق الصعاب .
كان الشابي يؤمن إن شعره رسالة تنوير وحرية للجماهير .. لذلك أطلق حمائم الشعر .. وفتح قلبه       لبلاده ، وارتج لحن الثورة .. وارتعدت الأوتار .. وارتعشت النغمات والثورة تمتد بالحرائق والمرض يلتهم قلب الشاعر ..
وهالات النور تتسع مساحاتها ويغيب الظلام في قلب الصباح .. ولحن الختام الحزين ..
يردد :
سأعيش .. رغم الداء والأ..ع..د..ا..ء
كالنسر ..ف و ق ... ال .. قم ...
- 3 -
أبو حيان التوحيدي
( 922-1018 )

  أشعل النار في مخطوطاته ومؤلفاته وكتبه ، وجلس يبكي فوق حافة الرماد
جلس يبث أوجاعه وأحزانه لحلقات الدخان التي تأجج في أحشائها عبقريته الفذة .. وفكره الموسوعي وثقافته العميقة وحكمته البليغة .. وأدبه الجميل .
فهل أحرق كتبه ومخطوطاته أم قلبه وبقايا حياته التعسة ..؟ حيث عاش لا يجد صدى لدى الآخرين لما يكتبه .. ونقم على أحوال الدنيا واللحظات التي تحول الكاتب العبقري إلى شاك مسحوق من الفقر والعوز .. يبعث شكواه إلى مشاهير عصره والوزراء والملوك .. ولكن لم يجن منهم إلا الحسرة والندم والإنكسار .
وفي تلك اللحظات التي أحس فيها التوحيدي بالتعاطف من الوزير أبن العارض .. ترعرعت شجيرة الأمان في قلبه .. وتذوق نسائم الحب .. والصدق وهفا إلى غدران عذبة ينهل من محبة الآخرين .
فإذا بوجدانه حقولاً خضراء للفكر .. وذهنه يتقد ويضئ عقول الآخرين .
كتب التوحيدي في تلك الفترة كتابه الرائع " الإمتاع والمؤانسة " الذي يقع في ثلاثة أجزاء ، سجل فيه الأحاديث التي دارت بينه وبين الوزير ابن العارض وتناول قضايا متنوعة في اللغة والأدب والفقه والفلسفة والاجتماع والسياسة والتصوف كاشفاً عن هموم عصره ومعاناة قومه وأحاسيسه النفسية وآراءه الفكرية .
ولذلك جاء الكتاب تحفة ثرية بما يثرى العقل ،           وإذ ينأى عنه الوزير ...ويجد الأديب نفسه جوالا في المدن .. ضارباً في الصحراء .. يعاني ظلم من حوله وعدم تقديرهم لما يكتبه .. يسقط في بحار اليأس مرة أخرى .. ويذهب إلى النار ليطعمها آخر ما كتب من مؤلفات ومخطوطات .
فهل يصبح رجل الفكر والمبدأ ساخطاً ناقماً في حياة ضحلة تافهة وأناس سفهاء وأنظمة باغية تمعن في الجهالة .. وتولى الأدعياء اهتماماً وتغفل عن أصحاب العقل .. والمبدعين الكبار ؟
ورحل التوحيدي مقهوراً ..
رحل وشكواه تتردد في المدن العربية راثياً موقفه الحزين ، ويقول :
خلصني أيها الرجل من التكفف ..
أنقذني من لبس الفقر ..
أطلقني من قيد الضر ..
أشترني بالإحسان ..
أستعمل لساني بفنون المدح ..
أكفني مؤونة العشاء ..
أجبرني فإنني صاد
أغثني فإنني ملهوف ..
حلني فإنني عاطل ..
قد أذلني السفر من بلد إلى بلد
وخذلني الوقوف على كل باب
وأنكرني العارف بي
وتباعد عني القريب مني

ويعبرعن تمزقه النفسي حين يخاطب من كان يقف معه ويتعاطف معه في مشاعر أقرب إلى صورة الحبيب .
يا حبيبي ..
أما ترى ضيعتي في تحفظي
أما ترى تفرقي في تجمعي
أما ترى ضلالي في اهتدائي
أما ترى رشدي في غيي
أما ترى عيي في بلاغتي
أما ترى ضعفي في قوتي
أما ترى كموني في ظهوري
أما ترى دائي في دوائي
أما ترى على هذا إلى أن يفنى الورى ..
وينفد الثرى ..
ويفقد السرى ..

هذا أبو حيان التوحيدي .. العبقري الذي قتله الإهمال.. واللامبالاه .. وإنكره زمان العفن .. فأصبح سائلاً من ينقذه ..   ويحميه من مكائد العصر .. ونوائب الدهر ..
ورحل يائساً مقهوراً ..
مقهوراً .. !!!!



- 4 -
أبو فراس الحمداني
( 932-968م )

  أبو فراس الحمداني .. بطل جسور .. وفارس عصره .. وفرد دهره .. يصول  
في الغزوات ضد الروم .. يرافق سيف الدولة الحمداني وينعم في بلاطه الأميري بالنبالة والمجد والكرم .
خرج أبو فراس الحمداني مع الريح بطلاً فذاً شجاعاً يحارب بالسيف والكلمة ، يكتب قصائد عذبه جميلة ، وتهدر كلماته جزلة بالفخامة والموهبة الفطرية .. ورواء الطبع .. وخصوبة الفكر وسلاسة البناء .
أبو الفراس الحمداني أمير البؤس والشقاء .. وأحد تعساء العالم حين خاض الحروب ضد الروم ..
وشهدت له السرايا .. وميادين القتال . تخطى الشاعر أهوالاً .. وحراباً وإذ به يقع في الأسر منكسراً ..     حزيناً .. يائساً .. يحيا في ظلام السجون على ذكريات الماضي المجيد ، وفي الخارج يصهل جواده يحلم بالركض .. ويحمحم غضباً وتمرداً .
والسيف الذي اخترق شهاب الفضاء قد علاه الصدأ وتنزوى على الجدار صورة لهذا الماضي الغائب .
كانت مأساة أبي فراس الحمداني تنبع من كونه البطل المأسوي الذي يشهد زمان سقوطه وتدهور مملكة النضال والتحدي .
لقد تقاعس ابن عمه سيف الدولة الحمداني عن   افتدائه ، وتناقلت إليه الأنباء بأن أمه يكسوها         الذل والدمار وتتوسل إلى سيف الدولة لإنقاذه ،         فجلس أبو فراس يكتب بدمه ودموعه على جدران سجون الروم :
وأجرى فلا أعطى الهوى فضل مقودي     صبور ولو لم تبق مني بقية                   وقور وأحداث الزمان تنوشني                 وألحظ أحوال الزمان بمقلة                         ورب كلام مر فوق مسامعي                 إلــــى الله أشكــو إننـــا بمنــــــــــــازل وأهفو ولا يخفي على صواب             قؤول ولو أن السيوف جواب               وللموت حولي جيئة وذهاب             بها الصدق صدق والكذاب كذاب           كما طن في لوح الهجير ذباب           تحكــــم فــي أســــــــادهن كـــــــلاب

وتأتي نهاية العاشق أمير البطولة والشجاعة..مفجعة.. ومروعة ..
لقد تحرر من الأسر .. ورحل ابن عمه سيف الدولة وحاول أمير التعاسة أن يستقل بإمارة حمص ولكن أبن سيف الدولة وقف ضده .
ودارت معارك بينهما .. انتهت بمقتل أمير الشقاء .. والوحدة والعذاب .. ودوت في الصحراء .. ايقاعات اللحن الحزين ، وطأطأت الجياد – التي خاضت المعارك – رؤوسها .. وتلاشت صيحات المعارك .. وضج اللحن بالأنين .. والصدى .. والموت ..  



- 5 -
ابن الرومي
( 836-896 )

  أبو الحسن علي بن العباس جريج الرومي .. المعروف بابن الرومي ...
أمير العذاب .. ومحنة الفقد .. والضياع ..
في مدائن غائمة .. تضربه الشطآن .. وترميه الدروب بلا أصل .. أو انتماء .
وحين بدأ يبحث عن ذاته .. تنبعث صرخات اليتم تمزق كيانه .. فيحاول أن يبحث عن ملجأ أو انتماء آخر ..
يدنو بخجل من الناس .. يحاول أن يشاركهم مواقفهم .. ربما تعاطفوا معه .. أو شقوا له القلب ليدخل في رحاب العطف والحب .. ولكنه .. لا يواجه إلا التهكم ، ولا يقابل سوى السخرية .
ويعانق الألم .. وخفق الدمعات الخفية ويلوذ إلى غرفته منعزلاً .. وحيداً .. تمزقه طعنات العصر ، وتغتاله .. سخرية أهله .. وقومه ..
ويظل خلف جدران العزلة يصادق الوحدة .. ينثر أحزانه .. ويسكب دموعه على الجدران .. وفوق الصفحات ..
تبدأ مأساة ابن الرومي عندما اكتشف أنه من أب رومي لم يره .. وأم فارسية ، فخرج يمشي بين الشعراء العرب تسكنه الذلة والمهانة .
وفي داخله شعور بالاغتصاب ، والغربة وأنه             لا يضارع أفذاذ العرب من الشعراء الكبار .
فظل منكسر الخاطر .. مؤود الفكر .. يعشق وحدته .. وتفرده بذاته في عالم من الصمت .. والخوف .. والفجيعة .
وتعمقت مأساته أكثر حين نشأ ضعيفاً هزيل الجسد .. يكاد يترنح في خطواته .. ضعيف البصر والسمع .
وكذلك في شيخوخته أعتراه اعتلال ، وتقوس ظهره .. واستسلم للزمن الذي تلاعب بحياته .. والقدر الذي عصف بعمره .. وجعله أضحوكة بين الناس لكونه من أصحاب العاهات .
تقوقع ابن الرومي في داخل ذاته .. يسكنه البؤس .. والحزن .. والخوف من الناس .. ومن الملوك ..           وكل من حوله .
أصيب في أيامه الأخيرة بمرض كان ينحت من جسده ويصاب بالتآكل .. فأمعن ذلك في غربته ، تصطرع في روحه تأوهات النفس الحائرة الضائعة .. الباحثة عن مرفأ حنان .
ضجر .. وصخب .. ونقمة تتنازع داخل ذاته .. رياح هوجاء تطرب في جنبات عمره .. وشهقات الموت يعلو صراخها ، فذابت شخصيته في نواح جنائزي ..
وأطلق سيمفونيات شعرية تشكو الظلم .. والفقر .. والغدر في متاهات مقفرة .. ومظلمة .
ويقف ابن الرومي شبحاً من الرعب والخوف على مقبرة حياته .. بلا أصل .. بلا جذور .. بلا انتماء ..
ويقول ابن الرومي :
رأيت الدهر يجرح ثم يأسو   أبت نفسي الهلــوع لفقد شئ يعوض أو يسلى أو ينسى             كفى حزنـاً لنفسي فقــد نفسي
وفي هذا المناخ النفسي المنهزم .. كيف يخفق قلب هذا الشاعر بالعشق..؟ إن العشق لا يشفي ما به من الجوى فيقول من الألم :
وما كان مقدار الذي بي من الجوى     كــأن فــؤادي ليـس يشفــى غليلـــه ليشفيه ما تلثم الشفتان                       سوى أن يرى الروحيــن يمتزجـــان
وجلس ابن الرومي فوق ضفاف الحياة يتأمل أحوال الزمان .. ويتقلب في حرائق الدهر .. وخيانات العصر ..
ثم يرحل في رحلة صوفية مع الزهاد والمنجذبين إلى لذة الإيمان .
وفي مرات كثيرة تشق قلبه نوازع الحرمان ولواعج الشوق إلى الحب الصادق .. والعشق الطاهر ..
وقد عشق ابن الرومي مغنية أسمها " وحيد " وكتب يصفها في قصيدته ويقول :
يا خليلي تيمتني وحيد             غادة زانها من الغصن قد           وزهاها من فرعها ومن الخدين   أوقد الحسن ناره في وحيد           فهـــي بـــرد بخدهــــا وســــلام ففؤادي بها معنى عميد           ومن الظبي مقلتان وجيد         ذاك السواد والتوريد             فوق خد ما شأنه تخديد             وهـي للعـــاشقين جهـد جهيــد
إن المأساة التي حاصرت ابن الرومي دفعته إلى محاولة التفوق على أقرانه الشعراء رغبة في تحقيق بطولة إنسانية تخفف من ثورة وتسكب عليها بعضاً من الأمان والسكون .
ولكن كيف ذلك ؟ والدمار يمحو كل محاولة للتواصل مع الآخرين .
إنه هارب .. من كل الأشياء حوله .. ويخاف كل شئ .. يحس أن هناك قوى خفية تطارده وتحيل حياته             إلى الجحيم .
ولذلك وصف أصحاب العاهات وابتعد عن الأصدقاء حتى إن امرأة من أهله صاحت تقول :
- اتقوا الله وأعطونا جرعة ماء وإلا هلكنا .    
وذكرت المرأة أن الباب مغلق عليها بسبب هروب ابن الرومي من الناس .
فقد اعتقد أن مصدر البلاء يأتي من الناس .. فلم يثق بأحد .. ولم يصادق سوى دمعاته .. ولم يرافق سوى أحزانه .. ومآساته وشروده الطويل .
ويقول عن الصداقة :
عدوك من صديقك مستفاد   إذا انقلب الصديق غدا عدواً فلا تستكثرن من الصحاب       مبينـاً والأمـور إلى انقــلاب
ويصف الحمال الأعمى ويقول :
رأيت حمالاً مبين العمى         محتملاً ثقلاً على رأســـه يعثر في الأكم وفي الوهد     تضــعف عـنه قـوة الجلــد
هذا هو ابن الرومي .. المعذب البرئ .. المبحر في مويجات البؤس والاضطهاد ..
والبؤساء ليسوا في كل الأحوال مساكين وبلا حيلة .. إنهم غالباً يخفون في باطنهم ضربات من الشجاعة .. وشلالات من الغضب .. والصبر .. وقوة الاحتمال لمواجهة الحظ العاثر ..
والمصير المؤلم ..
ومملكة الحزن .. والقهر ..




- 6 -
الحسين بن منصور الحلاج
( 254-309هـ )

  يقول الحلاج :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا         نحن مذ كنــا على عهد الهوى   نحن روحنا حللنا بدنا               نضـرب الأمثــال للنـــاس بنــــا
هذا صوت الحسين بن منصور الحلاج ، يشق الغيب بتجلياته الصوفية بعد أن أهدر دمه .. وصلب حياً     وبتر السياف يديه وقدميه ومزق جسده بالسياط ..     ثم ظل هكذا حتى اليوم الثالث .. فقاموا بقطع رأسه وحرق جسمانه .. وذرى رماده في نهر دجلة من فوق رأس مئذنة .
هذا هو الحلاج عاشق الحق .. والثائر ضد الفساد .. الراحل في شرايين المجتمع من أجل الإصلاح .. وزرع شجرة خضراء يأوى في ظلالها الهاربين من القيظ .. وحرائق الفقر .. والموت .
التف حوله الفقراء .. فخرج معهم يقود ثورة ضد الخليفة العباسي " المقتدر " .
ويصرخ الحلاج في وجه الأثرياء :
- كيف تنعمون في الثراء .. وعلى الأرض يبكي الفقراء جوعاً ..؟
أشرقت روح الحلاج بتجليات الإيمان .. والارتقاء عن هذا العالم ، تطهرت روحه من إغراء الدنيا لتنعم في سماحه العقيدة .. والمكابدة أمام ملذات الواقع وخطاياه .
لم يكن منهج الحلاج الصوفي اعتزالياً .. فردياً .. ولكن كان سلوكاً جماعياً إيجابياً بحيث إنه ذاب في الجماهير .. وتقرب منهم .. وتجادل معهم بحرية .. وأعلن عن آرائه ومواقفه من أعدائه .
استطاعت الدولة أن تقدمه للمحاكمة أكثر من مرة بتهمة " فساد العقيدة " .
واستمرت آخر محاكمة لمدة عام وحكم عليه بالموت بعد أن أعلنوا خيانته ظلماً وأهدروا دمه .
وما زال بعض الناس يقفون على نهر دجلة حيث صلب الحلاج يتوقعون عودته أو ينتظرون خروجه إليهم .
حين تقرأ كتاب " الطواسين " الذي يحتوي على شعره ونثره تلمس جوانب هذه الروح الشفافة في عالم السحر والحب .. والعشق .
لحظة انخطاف نحو نور المعرفة والدهشة والفناء .. حالة تداخل وتمازج غريب بين المرئي واللامرئي .. المحسوس والمادي .. وصور الحياة من التجسيد إلى التجريد .
وتتألق الحياة أمامك في جوهرها الحقيقي .. شفافة – نقية – تفيض بما في الروح من إيمان وابتهال وفناء .
ويحلق العاشق الصوفي مأخوذاً نحو أزمنة أخرى .. وفضاءات شاسعة تتحرر فيها الروح من أسرها لتذوب في المطلق واللانهائي .
ويعبر الحلاج عن هذا الفناء في المحبوب فيقول :
فإذا أبصرتني أبصرته         أيها السائل عن قصتنا         روحه روحي ..وروحي روحه وإذا أبصرته أبصرتنا             لو ترانا لم تفرق بيننا             من رأى روحيــن حلت بدنــــا
إن تجربة الحلاج في التأمل والتوحد مع الكون والسكون ثم الانصهار روحياً في الكائنات منحته فرصة السمو حتى الإحساس بالغيبوبة عن هذا العالم ..
وكشف كنوز المحبة الآلهية بوعي .. تام .
أدرك الحلاج حاجات الآخرين .. تعاطف مع مأساتهم اليومية وعذابهم الذي لا ينتهي ..
الحلاج عاشق .. تفجر العشق من شرايينه وتدفقت أنهار الصفاء والنقاء في صدره .
وحاول أن يشق درباً في وجه الطغاة الذين يحاربون الظل .. والوردة .. والعصافير .
كان الحلاج سنبلة تشع نوراً وفكراً نابعاً من كتاب الله .
وحين اكتشفت منطقة المابين .. تلك المساحة بين الضوء والظل .. الحقيقة والخيال .. السماء والأرض .. الحق والباطل .. تراكمت معاناته وصار يمشي على جراحاته ونزيفه .
لم يتراجع الحلاج ..
ظل يتحدث .. ويكتب شعراً .. ويدعو الناس إلى عناق الطبيعة .. وفهم لغة الزهور .. وحوار الأشجار ..
ولكن .. لم يكن يدري .. أنهم غارقون في لذة الوهم .
وخاف الحكام ..   وارتعدت الدولة .. وفكروا جميعاً كيف الخلاص من هذا العاشق الصوفي .
ويقول الحلاج في عشقه لله :
- يا من أسكرني في حبه .. وحيرني في ميادين قربه..
ويرى الحلاج أن الله في كل مكان إلى الحد الذي يسكن الإنسان .. وقد عرف ذلك بمذهب الحلول ..
ولكن العلماء قرروا إنه كافر ولابد أن يقتل ..
وصلب الحلاج ..
وإيقاعات لحن الأسى الحزين تتدفق عبر نهر دجلة ..
والطيور في الفضاء تنوح ..
والأشجار تخلع ألوانها وأوراقها ..
والأرض المجهدة بمأسي البشر .. تتنهد في حرقة ..
ودم الحلاج ينساب على الأرض ..
واللحن الحزين يتكسر على آفق السماء ..
واللحن الحزين .. يتلاشى ..
والسكود يسود .....



- 7 -
السهروردي
( 526-586هـ )

  شهاب الدين عمر أبو الفتوح السهـــروردي خرجـت روحـه ترفــرف
خفاقة في الكون .. فإذا بالحياة ليست هذه الصور الباهتة والظلال الخافتة .. والقشور المترنحة المبعثرة في الهواء .. يصعد قلبه إلى سماوات عالية .. ثم يمضي بلا قلب .. وتتسلل روحه إلى الملكوت الأعلى .. فإذا به بلا روح .
السهروردي .. هذا الشاعر الصوفي الذي تجرد من كل سمة تغدقها الحياة على الفرد .. رفض هذا العالم .. مزق أثواب العصر وتسربل بالأطياف .. وطواه الضوء .
فإنطلق باتجاه الشموس المضيئة .. وقف ضد الشاعر أصحاب العقول اليابسة .. والنفوس المخضبة بدم الحقد والكراهية ..
إنهم فئة تثرثر كثيراً .. ولا تحاول أن تمنح البشر انطلاقة نحو نهار مشرق .. هؤلاء قد عشقوا الظلام .. ويديرون في الخفاء صفقات مع زعماء الباطل .. وقتلة الحق . إن هذه الفئة هي التي عذبت الرسل والأنبياء من قبل .. وشاقوا الله ورسوله .. إنهم قتلة الصحابة والأولياء.. والشرفاء ، لقد تحالفوا مع زعماء الجهالة.. والتخلف وأوعزوا إلى صلاح الدين الأيوبي بأن السهروردي يجدف ضد الإسلام .
وقف هؤلا الفقهاء يرفعون رايات الظلم ضد هذا الصوفي الرقيق .. عميق الإيمان لأنه تخلى عن كل مظاهر الحياة وعشق الأبد .. وانتظر على ضفاف الكواكب النائية مشارف المطلق .. وبشائر لذة الإيمان ..
وتدفقت دماء السهروردي فوق الأرض الحزينة وخرجت من جسده المقتول .. ومن بحيرات روحه وردة حمراء تقول :
قل لأصحاب رأوني ميتاً         لا تظنون بأني ميت             أنا عصفور وهذا قفصي           فاخلعوا الأنفس عن أجسادها     لا ترعكـم سكــرة الموت فمـا فبكوني إذا رأوني حزنا         ليس ذا الميت والله أنا         طرت عنه فتخلى رهنا           فترون الحق حقاً بينا           هــي إلا بانتقــــال مــن هنــــا  
ورحل السهروردي .. مطعونا في القلب ..
نزيف الروح ممزق الحشا ...
بعد أن فاضت بحاراً من الفكر الصوفي ، تتدفق في سيرة حياته .
ومن الغريب أنه أصبح علماً من أعلام زعماء التصوف الإسلامي .. يجوب العالم في رحابه .. ويتنسم أزاهيره .
والسهروردي لم تقتله الكلمة الحاقدة أو حصار   السلطة ، وإنما ضاقت قضبان الفكر حوله فخرجت روحه تفر من السجن الصغير إلى فضاء الكون الشاسع الحر .. الكبير .. وهكذا .. فر من السجن إلى الحرية .. من هذا العالم المادي الظاهر .. إلى عالم روحاني             غير مرئي للبشر .
وتترنم الغيوم أشعاره ..
ويتردد اللحن الحزين ..
وقطرات الدمع ...
وقطرات النزيف ..



- 8 -
المتنبي
( 915-965م )

  أبو أحمد بن الحسين الكوفي الملقب بالمتنبي لإدعائه النبوة .. هذا الداهيــة
البليغ .. الوقور الرصين .. عالي الهمة .. مفرط الخيال .. خصب الوجدان .. تجاوزت أحلامه حدود المحال .
المتنبي أرتبط بالملوك والأمراء .. ودوى صوته الشعري في القصور .. وبين يدي الخلفاء .. وفي أسواق الشعراء ، وفي صليل سيوف المعارك – والفتوحات والبطولات الكبرى .
المتنبي لم يقتنع بزمانه .. ولم يكفيه عصره ..       ولم يقنع بأمير واحد .. أو ملك همام .. وإنما احتقر الزمان .. وسافر في البلدان يمدح سيف الدولة ويهرب إلى كافور الأخشيدي .
ثم إذا انقلب الحال أطلق قذائف الهجاء العجيب ليجعل من هذا الأمير أضحوكة عصره .. وصورة مخزية بين الملوك والأمم ..
المتنبي ابن سقاء يبيع الماء بالكوفة ، ارتفع على أجنحة الإبداع الشعري ليصبح نديماً ورفيقاً للملوك .. وأحاط ذاته بهالة من المجد والكبرياء حتى أدعى النبوة فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص واعتقله وقذف به في السجون حتى تاب فأطلق سراحه ، وعاد يشيد بذاته .. ويفتخر بأدبه وعلمه ويقول :  


سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا     أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي         أنام ملء جفوني عن شواردها     الخيـل والليــل والبيــداء تعرفنـي بأنني خير من تسعى به قدم         وأسمعت كلماتي من به صمم       ويسهر الخلق جراها ويختصم     والسيف والرمح والقرطاس والقلم
تحلي المتنبي بسمات الفروسية والشاعرية ، فتلاقت فيه العبقرية وخيلاء الفارس النبيل ، الذي يشهر سيفه في وجه الفاسدين ويمتطي الريح على صهوة جواده .. ولا تزل قدمه أو تعبث به النوائب والكوارث .
هذا الفارس العبقري قد وهب مهجته للشرف والطموحات العالية .. يقبض على الحروف .. تلين له .. وتتبعه المعاني وتروق له حيثما رغب وأراد .
فيقول في المجد والعظمة :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم   وتعظم في عين الصغير صغـارها وتأتي على قدر الكرام المكارم       وتصغر في عين العظيم العظــائم
ويقول عن الطموح وإدراك المعالي والقيم العليا :
إذا غامرت في شرف مروم     فطعم المــوت في أمـر حقيـر فلا تقنع بما دون النجوم       كطعم المــوت في أمـر عظيـم  
ورغم كل هذا .. تنتهي حياة المتنبي بمأساة مفجعة تطيح بهذه البطولة في أعماق الصحراء .. وكأنه لم يكن .. أو يولد من قبل ..
تغرب شمس حياته في لحظات كسوها العار والخجل .. فليس إلا شاعراً من شعراء الهزيمة والبؤس .. والانتحار ..
أضاع المتنبي تاريخ حياته .. ومجده الشعري الكبير .. وقذف به في فم الهلاك ..

ولذلك قصة غريبة :
حين خرج عليه فاتك ابن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه .. وهجم على المتنبي ، وما أن رآه المتنبي حتى فر هارباً خائفاً على جواده .
فصاح غلامه :
- قاتلك الله .. ألست أنت القائل :
  الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم  
وشعر المتنبي بالخجل .. وعاد إلى ساحة القتال فلم يبل بلاء حسناً .. وسقط مهزوماً تحت حوافر غريمه فاتك الأسدي .
وبذلك اغتال المتنبي نصاً شعرياً كان قد أطلقه في حلم البطولة ليرتد إليه في يوم الطعان منكسراً يائساً مغلوباً .
فهل قتل المتنبي ذاته بهذا النص الشعري .؟
أم أن البطولات الزائفة سرعان ما تكشفها شموس الحقيقة في صحراء الواقع ..
وسقطت أسطورة المتنبي بطريقة عبثية ..   ويدوي لحن الحزن الغريب .. وإيقاعات الهزيمة ، وطويت صفحات من المجد والبطولة تغلفهما صفحات أخرى من العار .. والانتحار حول عاشق الحزن الجميل .